بين الصراع وانعدام اليقين، الأمم المتحدة تعمل على حماية المدنيين في لبنان
وصلت الضربة الأولى على بعد 600 متر من مكتب عمران ريزا. أما الثانية فاقتربت أكثر، على بعد 200 متر فقط.
من مكتبه في وسط بيروت، كان المنسق المقيم ومنسق الشؤون الإنسانية للأمم المتحدة في لبنان يسمع تصاعد العنف. وبدلاً من المغادرة، بقي هو وفريقه في مواقعهم، في الميدان وعلى الهاتف، لضمان وصول المساعدات إلى المدنيين العالقين في قلب الحرب.
قال ريزا: "أكثر من مليون شخص مهجّرون والعديد منهم بلا مأوى في الوقت الحالي. وأخشى أن يكون العدد أكبر بكثير".
عادة ما تصدر أوامر التهجير ليلاً – يتم نشرها على الإنترنت، ثم تنتشر بسرعة عبر واتساب ووسائل التواصل الاجتماعي ومن خلال الكلام المتداول. أحياناً يتم إبلاغ أحياء كاملة بالمغادرة قبل دقائق من وقوع الضربات.
وأضاف ريزا: "لم يعد الأمر مقتصراً على الجنوب فقط، لقد استُهدف وسط بيروت".
ما يقرب من خِمس سكان البلاد قد نزحوا، وحوالي 14% من مساحة لبنان تخضع لأوامر إخلاء. تنتقل العائلات من مكان إلى آخر مع شعور ضئيل باليقين حول المكان الذي ستستقر فيه لاحقاً. ينام الكثيرون على الواجهة البحرية، بينما يرفض آخرون المغادرة تماماً.
وقال: "يريدون البقاء بالقرب من منازلهم لأنهم يخشون ألا يتمكنوا من العودة إليها".
بلد في حركة مستمرة
يستند هذا الخوف إلى ذكريات الصراعات السابقة وعمليات العودة التي استغرقت سنوات، إذا حصلت أصلاً. يشعر العديد من السكان بالقلق من أنه إذا أصبح الوضع متأصلاً، فإن عكسِهِ سيكون صعباً للغاية.
الأطفال هم الأكثر تضرراً. إذ نزح أكثر من 400,000 طفل في لبنان، ضمن أزمة إقليمية تجبر ما لا يقل عن 87 طفلاً يومياً على مغادرة منازلهم.
في جميع أنحاء البلاد، تم افتتاح 635 مركز إيواء، وهو نظام مضغوط أصلاً بفعل سنوات الانهيار الاقتصادي. وقد تعطل التعليم بصورة ملحوظة، إذ تُستخدم المدارس الحكومية والجامعة اللبنانية كمراكز إيواء جماعية، مما يوقف التعليم لآلاف الطلاب الذين بات مستقبلهم أكثر غموضاً يوماً بعد يوم.
وفي الوقت نفسه، يتنقّل المدنيون ضمن بيئة معلوماتية متصدّعة حيث تنتشر أوامر التهجير جنباً إلى جنب مع البيانات الرسمية ورسائل سياسية مختلفة، وتتفشى المعلومات المضللة والمغلوطة. فبالنسبة للكثيرين، لم يعد واضحاً مَن يمكن الوثوق به أو أين تكمن السلامة.
فرصة سياسية نادرة
ومع ذلك، في ظل انتشار العنف، يتشكل أمر لافت: لأول مرة منذ عقود، تحاول الدولة اللبنانية بجدية استعادة سلطتها من حزب الله.
قال مسؤول حكومي لبناني كبير: "أعلنت الحكومة أن الجناح العسكري لحزب الله غير قانوني، وهذا قرار لم يُتخذ من قبل." وقد صدر التشريع الذي يحظّر الجماعة المدعومة من إيران قبل 24 ساعة فقط من بدء الحرب. هذا التحرك، إلى جانب تقارب الحكومة أكثر مع الولايات المتحدة وأوروبا، يشير إلى تحوّل كان لا يُتصور حتى قبل عام. ويأتي ذلك أيضاً مع ظهور قيادة جديدة تحت رئاسة جوزيف عون، مصممة على إعادة فرض سيطرة الدولة بعد عقود من هياكل السلطة الموازية.
ويأتي هذا في ظل فرصة جيوسياسية نادرة، إذ أدّى انهيار نظام الأسد في سوريا إلى تعطيل الممر الذي كان يمر عبره السلاح والمال من طهران مروراً بدمشق إلى جنوب لبنان. وقال المسؤول الحكومي: "الأمور أصبحت أكثر ملاءمة للتغيير".
على الورق، تحسنت شروط تعزيز سلطة الدولة. أما على الأرض، فإنّ نافذة الفرص تضيق.
وأضاف المسؤول بخصوص واشنطن: "أرادوا منا اتخاذ الخطوات الحاسمة بشكل أسرع، لكن هذا غير ممكن؛ هناك إرث ضخم يجب تفكيكه."
يشمل هذا الإرث قوة حزب الله الراسخة، ونظام مصرفي منهار، وبنية تحتية للدولة أفرغت من محتواها. وبالتالي، باتت النتيجة مفارقة مستحيلة: التوافق مع الأهداف الأمريكية من دون القدرة على تحقيقها ضمن الجدول الزمني المتوقع.
أربع اهتمامات عاجلة للأمم المتحدة
من موقعه، يحدّد ريزا الأزمة الراهنة وفق أربعة اهتمامات عاجلة:
- تخفيض التصعيد— "لا يبدو وشيكاً"، معترفاً بالإرادة السياسية لجميع الأطراف المطلوبة لوقف الأعمال العدائية.
- احترام القانون الدولي وحماية المدنيين — "هذا أمرٌ مَهول، ولكن يبقى الأولوية الأهم"، خصوصاً مع ارتفاع أعداد القتلى من الأطفال والعاملين في القطاع الصحي وضرب المنشآت الطبية.
- ضمان وصول المساعدات الإنسانية— وهي عملية هشّة بشكل متزايد، تعتمد على تنسيق لا يضمن دائماً الاستمرارية.
قال ريزا: "نحتاج من الأطراف المتحاربة ضمان وصولنا الآمن إلى الأماكن التي تحتاج إلى المساعدة الإنسانية.
يجب ضمان وصول المساعدات الإنسانية الآمنة وفق القانون الدولي، لأن الأطراف المتحاربة ملزمة بعدم استهداف المواقع الإنسانية".
وأضاف: "هذا ليس دائماً واقعاً".
4. إضافةً إلى التمويل
بعد زيارة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش في 13 مارس، أطلقت الأمم المتحدة نداء عاجل بقيمة 308 ملايين دولار للأشهر الثلاثة المقبلة. وقال ريزا إن ذلك على الأرجح لن يكون كافياً: "سيتعين علينا زيادة المبلغ".
وفي الوقت نفسه، على طول الحدود الجنوبية، يواصل جنود حفظ السلام التابعون للأمم المتحدة العمل تحت ضغط متزايد. في حين تنتهي ولاية قوات اليونيفيل في ديسمبر 2026، مما يثير أسئلة صعبة حول الخطوة التالية.
الرسوخ من خلال المواطنين
ومع ذلك، تمر لحظات من الطمأنينة وسط الفوضى.
يتذكر ريزا لقاءه مع امرأة مهجّرة في أحد مراكز الإيواء.
قالت: «أنظر إليّ، أرتدي نفس البيجاما التي كنت أرتديها عندما فررت إلى هذا المكان في منتصف الليل… لكنني بأمان، ومعي عائلتي». ثم أضافت: «ما أريده منك الآن هو مساعدتي ببعض أدوات الطهي لكي أطبخ للجميع هنا، لأنني طباخة ماهرة."
ابتسم ريزا لأول مرة بصدق وقال: "إنما هو رهيبٌ قوة الناس."
رسالة إلى واشنطن
مع ذلك، فإنّ الصمود ليس استراتيجية.
كما أوضح المسؤول الحكومي نفسه، يحاول لبنان تفكيك عقود من هياكل السلطة المزدوجة في غضون أشهر قليلة، مع إدارة حرب لا يتحكم بها. وقال المسؤول: "نحاول عكس 45 سنة من التاريخ، والتوقعات ضخمة."
فبالنسبة لواشنطن، التداعيات كبيرة أيضاً.
الولايات المتحدة لديها الآن شريك في بيروت أكثر توافقاً مع أهدافها من أي وقت مضى في الذاكرة الحديثة. لكن التوافق دون القدرة على التنفيذ يعرض للاستعصاء — والفشل يعزز الجهات نفسها التي تهدف الاستراتيجية إلى إضعافها.
من بيروت، الجهود بدأت بالفعل، وأشخاص مثل عمران ريزا في صلبها، يعملون على تنسيق الأعمال الإنسانية تحت نيران الحرب لضمان حماية المدنيين.
ملاحظة: تم نشر هذا المقال في الأصل على الموقع الإلكتروني لحملة العالم الأفضل (BWC)، وكتبت هذا المقال السيدة ليز مترو وبالتعاون مع BWC، ويعاد نشره هنا بإذن منهم.
