قصة
١٩ أغسطس ٢٠٢٦
من الوجبات المشتركة إلى الثقة المتبادلة: نساء يجدن أرضية مشتركة في أوقات الأزمات
أدّت الأزمة الأخيرة في لبنان إلى نزوح آلاف العائلات، مما فرض ضغوطًا هائلة على كلٍّ من المجتمعات النازحة والمضيفة في مدينة صيدا والمناطق المحيطة بها1. واستجابةً لذلك، أُنشئ مطبخ مجتمعي تقوده النساء، تديره الحركة الاجتماعية (Mouvement Social) وتدعمه هيئة الأمم المتحدة للمرأة من خلال صندوق المرأة للسلام والعمل الإنساني، بهدف تلبية الاحتياجات الإنسانية للعائلات المتأثرة بالأزمة، وفي الوقت نفسه جمع النساء من المجتمعات النازحة والمضيفة معًا."عندما نزحنا من أقصى الجنوب، تغيّر كل شيء،" تقول فاطمة دقيق، التي اضطرت إلى مغادرة منزلها مع عائلتها إلى صيدا خلال الأزمة. ومع عدم قدرة والدها على العمل بسبب وضعه الصحي، وجدت فاطمة نفسها فجأة مسؤولة عن مساعدة والديها، بينما كانت تتأقلم مع حياة جديدة بعيدًا عن منزلها.عندما سمعت عن المطبخ المجتمعي في الهلالية، إحدى بلدات قضاء صيدا في لبنان، رأت فيه أكثر من مجرد فرصة لكسب الدخل. وتقول: "أردت أن أكون جزءًا من مبادرة يمكنها أن تدعم الناس. استطعت أن أساند عائلتي، وفي الوقت نفسه القيام بشيء له معنى من أجل الآخرين."كانت فاطمة تنضم كل صباح إلى النساء الأخريات لإعداد وتوضيب مئات الوجبات الساخنة للعائلات النازحة والأسر الأكثر هشاشة. ومع مرور الأيام، أصبح المطبخ أكثر من مجرد مكان للعمل. وتستذكر قائلة: "ربما فرّقتنا الحرب، لكن هذا المطبخ جمعنا. في البداية، كانت علاقتنا رسمية، ثم أصبحنا كالأخوات."لقد شكّل العمل جنبًا إلى جنب مع نساء من مجتمعات متنوعة تحديًا لكثير من الأفكار المسبقة التي كانت تحملها. وتقول: "في السابق، لم نكن نعرف بعضنا البعض حقًا. لكن عندما عملنا معًا، أدركنا أن همومنا واحدة. جميعنا كنا نريد أن نعيش بكرامة وسلام."وإلى جانب الاحتياجات الإنسانية، شكّل النزوح واسع النطاق ضغطًا على المجتمعات المضيفة، وأعاد في بعض المناطق إحياء توترات طائفية ومظالم تاريخية بين مختلف المجموعات في لبنان. ومن خلال جمع نساء من المجتمعات النازحة والمضيفة للعمل من أجل هدف مشترك، وفّر المطبخ المجتمعي مساحة للتفاعل اليومي، ساهمت في بناء الثقة وتعزيز العلاقات في وقت كانت فيه المجتمعات بأمسّ الحاجة إليها.بالنسبة إلى فاطمة قشوري، التي نزحت مع عائلتها من النبطية، قدّم لها المطبخ ما لم تكن تتوقعه: شعورًا بالانتماء.في الأيام الأولى، وصلت كل واحدة من النساء وهي تحمل معها تجربة مختلفة وصعبة من الفقدان وعدم اليقين. لكن روتين العمل اليومي معًا – بدءًا من احتساء القهوة صباحًا، مرورًا بإعداد الوجبات، ووصولًا إلى تبادل الأحاديث أثناء العمل – قرّب بين النساء تدريجيًا.وتقول إن هناك حديثًا واحدًا لا يزال محفورًا في ذاكرتها: "بينما كانت إحدى النساء تتحدث عن المنزل الذي فقدته خلال النزاع، أدركنا وفجأة أن عددًا منا مرّ بالتجربة نفسها. بكينا معًا لبعض الوقت، ثم عدنا إلى تحضير الوجبات. عندها فهمت أن الألم المشترك يمكن أن يجمع الناس أيضًا."ومع مرور الوقت، تحوّلت زميلات العمل إلى صديقات. كنّ يحتفلن بأعياد ميلاد بعضهن البعض، ويطمئنّ على بعضهن عندما تمرّ إحداهن بوعكة صحية، وظللن على تواصل حتى بعد انتهاء العمل.وعندما تنظر فاطمة إلى تلك التجربة اليوم، ترى أن هذه الروابط اليومية يمكن أن تترك أثرًا طويل الأمد يتجاوز حدود المطبخ. وتقول: "هكذا تبدأ المبادرات من هذا النوع، مع أشخاص عاديين. وعندما نبني علاقة مع شخص يختلف عنا، أعتقد أننا نتخلّص قليلًا من الخوف." لا تزال هبة حمادة، التي نزحت من بلدة تول، تتذكر اليوم الذي اضطرت فيه إحدى النساء إلى مغادرة العمل لحضور جلسة تتعلق بإجراءات طلاقها. ومن دون تردد، سارعت جميع النساء إلى تقاسم مهامها وإنجازها. وتقول هبة: "لم تتردد أي واحدة منا للحظة. ساعدنا بعضنا البعض ببساطة، وهذا ما جعل هذا المكان مميزًا."وترى هبة أن مثل هذه المواقف غيّرت تدريجيًا الطريقة التي أصبحت النساء ينظرن بها إلى بعضهن البعض. وتقول: "عندما تعملين مع أشخاص كل يوم، تكتشفين أن ما يجمعك بهم أكبر بكثير مما يفرّقك عنهم. فالتعرّف إلى بعضنا البعض يبدّد الخوف أكثر بكثير مما يفعله البقاء بعيدين عن بعضنا."وعندما تسترجع هبة تلك التجربة، تستنتج أنها تثبت كيف أن السلام يبدأ قبل وقت طويل من أي حوار رسمي. وتقول: "السلام يبدأ في الحياة اليومية. عندما نعمل معًا، ونحلّ المشكلات معًا، ونتشارك التجربة نفسها، تنمو الثقة بشكل طبيعي ويبدأ الخوف بالتلاشي."وعلى الرغم من أن المطابخ المجتمعية غالبًا ما يُنظر إليها على أنها تدخلات تُعنى بالأمن الغذائي بالدرجة الأولى، فقد حرصت هيئة الأمم المتحدة للمرأة منذ عام 2024 على دمج مفاهيم بناء السلام والتماسك الاجتماعي في هذا العمل. فمن خلال توفير مساحات تعمل فيها النساء من خلفيات مختلفة جنبًا إلى جنب لتحقيق هدف مشترك، تُسهم هذه المبادرات في بناء الثقة، وتعزيز العلاقات بين المجتمعات، وإظهار كيف يمكن للتعاون في الحياة اليومية أن يعزز التماسك الاجتماعي، بالتوازي مع تلبية الاحتياجات الإنسانية الملحّة. عندما لجأت عائلات نازحة من النبطية إلى منزلها، عاشت سحر رمضان الأزمة من منظور مختلف. فهي تقيم في صيدا، واستقبلت أقاربها النازحين في منزلها، قبل أن تنضم لاحقًا إلى المطبخ المجتمعي، حيث وجدت وسيلة أخرى لدعم العائلات المتأثرة بالنزاع. وتقول: "شعرت بأنها فرصة لأكون جزءًا من عمل له معنى، وأن أساعد الناس في فترة صعبة."وترى سحر أن المطبخ أتاح للنساء فرصة حقيقية لدعم مجتمعاتهن خلال واحدة من أصعب مراحل الأزمة. وتقول: "كانت كل واحدة منا تحمل همومها الخاصة، لكن عندما عملنا معًا، ركزنا على مساعدة الآخرين، وهذا منحنا القوة أيضًا."وعندما تستعيد تلك التجربة، تقول إن ما جمع النساء لم يكن الوجبات التي أعددنها فحسب. وتضيف: "عندما تعمل نساء من مجتمعات مختلفة معًا كل يوم، يحدث شيء جميل. نضحك معًا، ونتقاسم الأيام الصعبة معًا، ومع مرور الوقت نفهم بعضنا البعض بشكل أفضل."وترى سحر أن هذه التجربة أكدت أيضًا الدور الحيوي الذي تؤديه النساء في مساعدة العائلات والمجتمعات على تجاوز الأزمات. وتقول: "حتى عندما تكون النساء مثقلات بأعبائهن الخاصة، فإنهن يواصلن دعم أسرهن والأشخاص من حولهن. يحاولن التخفيف من معاناة الآخرين ومنحهم سببًا للتمسك بالأمل. هذا ما كنت أراه كل يوم في المطبخ."واليوم، تواصل العديد من النساء المشاركة في مبادرات مجتمعية تقودها النساء وأنشطة لبناء السلام، حاملات معهن العلاقات التي بنينها داخل المطبخ. فما بدأ كاستجابة إنسانية، أصبح أساسًا لعلاقات مجتمعية أكثر قوة، وأثبت كيف يمكن لأبسط مظاهر التضامن في الحياة اليومية أن تسهم في إعادة بناء الثقة في أوقات الأزمات. نُفذت هذه المبادرة من قبل الحركة الاجتماعية (Mouvement Social) بدعم من هيئة الأمم المتحدة للمرأة، من خلال صندوق المرأة للسلام والعمل الإنساني (WPHF)، وبتمويل من السفارة الألمانية في لبنان.